الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
نفحات الولاية
لا نعرف شيئاً عن صفات اللَّه ولا يسعنا ادراكها ، وكل ذلك حذراً من التورط في مستنقع التشبيه الذي هوى فيه الفريق الأول . والحق أنّ الفريقين الأول والثاني على خطأ ، فهما لم يستضيئا بنورالوحي وهدى أئمة العصمة عليهم السلام ، ومن هنا غرقا في هالة من الظلام الدامس والجهل المطلق . ولو التزما وصية أمير المؤمنين علي عليه السلام لما قالا بالتعطيل ولا التشبيه ، ولا قتنعا بالمعرفة الإجمالية - التي وردت في العبارات القادمة من هذه الخطبة - ولركنا إلى القرآن وكلمات المعصومين عليهم السلام ليصونا أنفسهما من الزلل والانحراف ولاكتفيا بما وردت عنهم عليهم السلام من كلمات في صفاته سبحانه ، دون أن يحكموا عقولهم القاصرة بهذا المجال فليس للعقل من فعالية تذكرفي هذا الخصوص دون الاستناد إلى الوحي ومعادنه الواضحة ، فالحق أنّ هذا الوادي خطير فلا ينبغي أن يقتصوه ، وأنّه بحر لجي لا ينبغي لسهم أن يلجوه . فهي ظلمات بعضها فوق بعض ولا يمكن اختراقها الا بمعونة من كشفت له . جدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام عبر عما ورد في القرآن بالفرض وسنة المعصومين عليهم السلام بالأثر ، ولعل هذا الاختلاف في التعبير بينها يشير إلى حقيقة وهى لزوم ووجوب التعرف على ما جاء في القرآن في باب صفات اللَّه سبحانه . وما وصل عن المعصومين عليهم السلام إنّما هو مبين ذلك الذي جاء في القرآن . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة بالغة الأهمية وهى هداية الراسخين في العلم عن الانحراف في معرفة الحقائق القرآنية وذلك لتسليمهم واقرارهم بما خفي عنهم ، فاذعنوا لعجزهم عن الخوض فيما غاب عن علمهم . فمدح اللَّه سبحانه هذا الاذعان والاعتراف « واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح اللَّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً » ، ثم أوصى عليه السلام بالاكتفاء والقناعة بهذا المقدار دون تحكيم العقل في الإحاطة بعظمة اللَّه ؛ الأمر الذي يؤدي إلى الهلاك « فاقتصر على ذلك ، ولا تقدر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين » . فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد حذر ذلك السائل الذي سأل عن